عبد الملك الجويني
492
نهاية المطلب في دراية المذهب
نتعرض لماله ، ولو دخل ديار الإسلام [ واستردّ ] ( 1 ) أمواله ، كان له ذلك ، ولم يجز التعرض له ، وإن لم نجدد له عهداً ، فماله هاهنا سببُ تَسلُّطِه على دخول دار الإسلام ، وهو بمثابة ما لو دخل كافرٌ دارَ الإسلام ليسمع الذكر ، ويبحثَ عن الدين ، ويتقبَّله إن ظهر له ، قال الله تعالى : { وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ } [ التوبة : 6 ] ، فقال العلماء : ليس المراد أن يُعقَد له أمانٌ ثم يدخل ، ولكن قصدُه هذا يؤمنه ، وهو في أمان الله تعالى ، ومقصود الآية إعلامُنا أنه مؤمّن . وكذلك لو دخل كافر ديار الإسلام رسولاً ، فتصدّيه للرسالة يؤمِّنه ، وإن لم يُعقد له أمانٌ ، كذلك عود الحربي لأجل أمواله سائغ من غير تجديد أمان . ثم قال الأئمة : ينبغي أن يعجل تحصيل أغراضه ، ولا يعرّج على أمرٍ . وإن زاد على الحد الذي ذكرناه ، تصدى للقتل والأسر . وإن قلنا : لا أمان لماله ، فهو مأخوذ فيئاً ؛ فإنه مال كافرٍ مظفور به من غير إيجاف خيل وركاب ، فالتحق بالفيء . وهذا الطرف من الفصل فيه أدنى التباس . ونحن نفصله ونكشفه ، فنقول : إذا أراد المستأمَن أن ينبذ إلينا العهد ، فلا شك أنا نُبلغه المأمنَ ، ولا نتعرض لأمواله التي يستصحبها ؛ فإنه في علقة من الأمان بها استمساكه إلى أن ينتهي إلى مأمنه ، فإذا استصحب أمواله ، فحكمها حكم نفسه ، وإذا التحق بدار الحرب ، وخلّف عندنا أموالاً ، ففيها الخلاف ، ولو فارق الأموال المخلّفة ، ولم يستصحبها ولم يلتحق بعدُ بالمأمن ، فكيف سبيل أمواله المخلّفة ؟ الوجه عندي أنها في أمان ، فإن مالكها بعدُ في أمان ، وإنما التردد إذا انقضت عُلقةُ الأمان في حقه بأن التحق بدار الحرب . ويجوز أن يقال على بعدٍ : إذا فارق الدار ، وانقطع عن الأموال ، يجري الخلاف ، بخلاف الأموال التي في صحبته ؛ فإن من ينبذ إلينا العهد ، وإن كنا نبلغه المأمن ، فهو من وجهٍ خارج من الأمان ؛ إذ لو أراد أن يرجع ، ويتوطن من غير أمانٍ جديد ، لم يكن له ذلك ، فكأنّ ما يُطلَقُ من الأمان ، يُبَذْرِقه ( 2 ) إلى دار الحرب .
--> ( 1 ) في الأصل : " استردّ " . ( 2 ) يبذرقه : يحرسه : فالبذرقة : الجماعة تتقدم القافلة للحراسة . قيل : معربة ، وقيل : مولّدة . =